الشخص الذي لا يتحدث كثيراً يكون عادة قارئاً جيداً ومفسّراً محترفاً للغة الجسد والإشارة التي تصدر من الآخرين مهما كانت الأقنعة التي يميلون لارتدائها، يعرف أوقات حزنهم، وفرحهم، وخيباتهم، وتصنّعهم، ويعرف متى تنقلب معاملتهم، أو متى يصدر ما يريب منهم!
والمشكلة في الغابة التي تضمّنا نحن البشر، أن المصائب لا تحدث دائماً كنتيجة مباشرة لأفعالنا، بل بكل بساطة تحدث وتكبر وتتفاقم نتيجة ألسنة من حولنا ورغبتهم الجامحة في الأذى لا لسبب طبيعي ومبرّر، بل لأن أمراض النفس البشرية لا عمق لها، وأحياناً لا تفسير لها.
أنت تستيقظ بأمان الله وقد تركت من حولك وأنتم على وفاق ومحبة، لتجد من تتعامل معه بكل احترام وقد انقلبت أحواله؛ يكلمك بشكل غير طبيعي، أو يتجنب النظر إليك مباشرة، أو قد يتوقف تماماً عن التحدث إليك….. لتكتشف لاحقاً أن شخصاً ما، قد ابتدع ونسب إليك كل ما يخطر أو لا يخطر ببالك من أقوال واقتباسات ليس لها أي أساس من الصحة.
والأغرب من هذا، هو التفاني والمثابرة التي يمتلكها هذا الشخص في تدمير أي علاقة تربطك بمن حولك ومن ثم ارتداء قناع المحبة، وتوجيه المعسول من الكلام إليك، والتحبب والتودد لك!
هذا الحقد الدفين الذي لا مبرر له، هذا التجنيد والحشد ضدّك الذي لا تستطيع فهم كنهه، ثم هذا التصنّع والتمثيل، كل هذا لمَ؟
تجد نفسك في موقف المدافع، لا تدري لمَ تدافع…. يغمرك شعور رهيب بالظلم، ويعتريك غضب جامح!
كيف لحقيقة هذا المخلوق الذي لم تقدّم له إلا كل خير أن تكون بهذه الخباثة، وكيف يمكن أن يصدق الآخرون ما يقوله عنك؟
ثم تقع حائراً بين قلب الدنيا عليه ومعاتبة من صدّقه، وبين قرار الترفع عنه وإخراج من صدّقه من حياتك بكل هدوء…. تعيش صراعاً داخلياً، تحاول أن تفهم ما يحدث، تحافظ على هدوئك، تختار أن تتأنّى وأن تتعامل مع الموقف بعقلك لا بعاطفتك…
تستمر الأيام مع قرارك الحكيم، وتأخذ دوراً في لعبة الأقنعة التي لا تتقنها، ولكن عقلك لا يصدق كمّ الخباثة والدناءة فيمن يدّعي ودّك، ثم تأتي لحظة واحدة تغلبك فيها عاطفتك، فتغضب على من ادّعى وتعاتب من صدّق، فتخسر كليهما وتصبح أنت المخطئ!


أضف تعليق